ابن أبي الحديد
36
شرح نهج البلاغة
والمشهور المروى : ( فإن خرج من أمرهم خارج بطعن أو رغبة ) ، أي رغبة عن ذلك الامام الذي وقع الاختيار له . والمروي بعد قوله ( ولاه الله بعد ما تولى ) ، ( وأصلاه جهنم وساءت مصيرا ) ، وإن طلحة والزبير بايعاني ثم نقضا بيعتي ، فكان نقضهما كردتهما ، فجاهدتهما على ذلك حتى جاء الحق وظهر أمر الله وهم كارهون . فادخل فيما دخل فيه المسلمون ، فان أحب الأمور إلى فيك العافية ، إلا أن تتعرض للبلاء ، فان تعرضت له قاتلتك ، واستعنت بالله عليك ، وقد أكثرت في قتلة عثمان ، فادخل فيما دخل الناس فيه ، ثم حاكم القوم إلى أحملك وإياهم على كتاب الله ، فاما تلك التي تريدها فخدعة الصبي عن اللبن ، ولعمري يا معاوية إن نظرت بعقلك . . ) إلى آخر الكلام . وبعده ( واعلم أنك من الطلقاء الذين لا تحل لهم الخلافة ، ولا تعترض بهم الشورى ، وقد أرسلت إليك جرير بن عبد الله البجلي ، وهو من أهل الايمان والهجرة ، فبايع ولا قوة الا بالله ) . واعلم إن هذا الفصل دال بصريحه على كون الاختيار طريقا إلى الإمامة كما يذكره أصحابنا المتكلمون ، لأنه احتج على معاوية ببيعة أهل الحل والعقد له ، ولم يراع في ذلك إجماع المسلمين كلهم ، وقياسه على بيعة أهل الحل والعقد لأبي بكر ، فإنه ما روعي فيها إجماع المسلمين ، لان سعد بن عبادة لم يبايع ، ولا أحد من أهل بيته وولده ، ولان عليا وبنى هاشم ومن انضوى إليهم لم يبايعوا في مبدأ الامر ، وامتنعوا ، ولم يتوقف المسلمون في تصحيح إمامة أبى بكر وتنفيذ أحكامه على بيعتهم ، وهذا دليل على صحة الاختيار وكونه طريقا إلى الإمامة ، وإنه لا يقدح في إمامته عليه السلام امتناع معاوية من البيعة وأهل الشام ، فأما الامامية فتحمل هذا الكتاب منه عليه السلام على التقية ، وتقول : إنه ما كان يمكنه